النووي
377
تهذيب الأسماء واللغات
هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يكرمه ويجله ويعرّف الصحابة مكانه ، ويثني عليه في وجهه ، واستخلفه في الصلاة ، ومناقبه غير منحصرة ، قال ابن إسحاق : كان خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر رضي اللّه عنه للهجرة بعد العقبة الثانية بشهرين وأيام ، بايعوه في العقبة في اليوم الأوسط من أيام التشريق ، وخرجا لهلال شهر ربيع الأول ، وشهد أبو بكر مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان بالحديبية ، وخيبر ، وفتح مكة ، وحنينا ، والطائف ، وتبوك ، وحجة الوداع ، وسائر المشاهد . وأجمع أهل السير على أن أبا بكر رضي اللّه عنه لم يتخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في مشهد من مشاهده ، قال محمد ابن سعد : ودفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رايته العظمى يوم تبوك إلى أبي بكر ، وكانت سوداء ، وكان فيمن ثبت معه يوم أحد ويوم حنين . فصل مختصر في بعض الأحاديث الصحيحة المصرحة بفضل أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه روينا عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما ، قال : اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما ، فقال أبو بكر لعازب : مر البراء ليحمل إليّ الرّحل ، فقال عازب : لا ، حتى تحدّثنا كيف صنعت أنت ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين خرجتما من مكّة والمشركون يطلبونكما ؟ فقال : ارتحلنا من مكة ، فأحيينا - أو سرينا - ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظّهيرة ، فرميت ببصري هل أرى من ظلّ نأوي إليه ، فإذا صخرة ، أتيتها فنظرت بقيّة ظلّ لها ، فسوّيته ثم فرشت للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فيه ، ثم قلت له : اضطجع يا نبيّ الله . فاضطجع النبي عليه السلام ، ثم انطلقت انظر ما حولي ، هل أرى من الطّلب أحدا ، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه ، فسألته فقلت : لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من قريش ، سمّاه فعرفته ، فقلت : هل في غنمك من لبن ؟ قال : نعم . فقلت : هل أنت حالب لبنا ؟ قال : نعم . فأمرته فاعتقل شاة من غنمه ، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته أن ينفض كفّيه فنفض ، فحلب لي كثبة من لبن ، وقد جعلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إداوة على فمها خرقة ، فصببت على اللّبن حتى برد أسفله ، فانطلقت به إلى النبيّ عليه السلام ، فوافقته قد استيقظ ، فقلت : اشرب يا رسول الله . فشرب حتى رضيت ، ثم قلت : قد آن الرحيل يا رسول الله . قال : « بلى » والقوم يطلبوننا ، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك على فرس له ، فقلت : يا رسول الله ، هذا الطلب قد لحقنا . فقال : « لا تحزن إن اللّه معنا » . رواه البخاري ( 3652 ) ومسلم « 1 » ، روياه أطول من هذا . وعن أنس عن أبي بكر رضي اللّه عنه قال : قلت للنبي عليه السلام وأنا في الغار : لو أنّ أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا . فقال : « ما ظنّك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما » رواه البخاري ( 3653 ) ومسلم ( 2381 ) ، وفي روايته : نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا ، فقلت : يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا ، وذكر تمامه . وعن أبي سعيد الخدري قال : خطب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الناس وقال : « إن اللّه تبارك وتعالى خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في آخر كتاب الزهد بإثر الحديث ( 3014 ) .